warning-iconنظرا لعملية الصيانة الجارية حاليا على موقع الكرامة نعتذر لعدم توفير امكانية الحصول على بعض منشوراتنا خلال هذه الفترة.

المقالات

الجزائر: إحالة أكثر من 100 حالة اختفاء قسري جديدة من منطقة جيجل أمام هيئات الأمم المتحدة

تواصل عائلات المفقودين في منطقة جيجل مساعيها عبر اتصالاتها بهيئات الأمم المتحدة المختصة، وذلك، خصوصا بعد خيبة أملها الناجمة عن غياب أي رد من السلطات الجزائرية على مطالبها من أجل الحقيقة والعدالة في أعقاب اختفاء أقاربهم، وبعد أن استحكم شعور اليأس في أنفسهم جراء عدم اكتراث هذه السلطات بقضية هذه الأسر.
{besps}disparu-2009{/besps}

وبناء عليه، تم من جديد إحالة أمام فريق العمل المعني بحالات الاختفاء القسري وغير الطوعي، 104 حالة من حالات الاختفاء القسري من منطقة جيجل (300 كلم شرق الجزائر)، تعود إلى الفترة ما بين عامي 1993 و 1997.

وقد تم توثيق هذه الحالات من قبل جمعية المشعل لأطفال المفقودين بمنطقة جيجل، التي برزت إلى الوجود لتقدم الدعم لرابطة أسر المختفين من منطقة جيجل.
وقامت هذه الجمعية التي أنشئت مؤخرا من قبل مجموعة من أبناء وبنات وأخوة وأخوات المفقودين من منطقة جيجل بإيداع ملف طلب الاعتماد لدى الدوائر المختصة في ولاية جيجل في 24 أيار/ مايو 2009، ونظرا لغياب أي رد على ذلك الطلب من السلطات المعنية، يمكن بناء عليه اعتبار الجمعية معتمدة قانونيا بحكم الواقع.

وتجدر الإشارة إلى أن جمعية المشعل رغم حداثة عهدها، فهي ليست مجهولة، إذ سبق وأن حصلت على تأييد الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان، وكذلك معظم المنظمات غير الحكومية المعنية بحالة المختفين قسرا في الجزائر.
وتأتي عملية إحالة هذه الحالات الـ 104، المعروضة الآن أمام الإجراءات الخاصة للأمم المتحدة، عقب عملية توثيق 175 حالة في ولاية جيجل، سبق تقديمها في كانون الأول 2008، وهي تثبت مرة أخرى مدى التورط المباشر والحصري لمصالح الأمن الجزائرية، بكافة أجهزتها (من عناصر الجيش ودرك وشرطة وميليشيات مسلحة من قبل الحكومة) في مأساة حالات الاختفاء القسري في منطقة جيجل.

لقد تميزت الفترة بين عامي 1994-1997، بوقوع حالت اختطاف المدنيين، وخصوصا منتخبي الجبهة الإسلامية للإنقاذ والنشطاء في صفوفها والمتعاطفين معها،  وجرى ذلك على نطاق واسع وتم تنفيذه بشكل اعتيادي، كما تعرض عدد كبير من هؤلاء المختطفين لعمليات الإعدام بإجراءات موجزة والإعدام خارج نطاق القضاء.
والملفت للنظر أن عناصر الجيش الوطني الشعبي يشكلون الجهة المسؤولة والمنفذة الرئيسة عن ارتكاب تلك الجرائم، مع الإشارة إلى الدور الرئيسي والمحوري الذي اضطلعت به مديرية الاستخبارات والأمن في المنطقة بهذا الشأن، علما أن مديرية الاستعلامات والأمن هي من يشرف على تسيير عمليات القطاع العسكري لولاية جيجل، الذي كان تحت قيادة الرائد الشهير صالح لباح، الملقب "بلباح"، في الفترة بين أواخر 1994 وأوائل 1997، الذي كان يتبع مباشرة للمنطقة العسكرية الخامسة في قسنطينة، تحت قيادة الجنرال عبد الحميد جوادي (1992 - أيار / مايو 1994)، ثم حل محله الجنرال رابح بوغابة (أيار / مايو 1994 حتى سبتمبر 1997)، الذي استبدل هو الآخر بالجنرال علي جمعي (1997 - 2000).

وتم لاحقا ترقية هؤلاء الضباط السامين الثلاثة، من الجيش الجزائري، الثابتة بحقهم مسؤولية ارتكاب جرائم خطيرة ضد الإنسانية، إلى رتبة لواء ركن من قبل الرئيس عبد العزيز بوتفليقة ولم يتم بأي شكل من الأشكال مساءلتهم أو ملاحقتهم بشأن تلك الجرائم. وكان الرائد صلاح لباح يعمل حينذاك مع احد ضابط مديرية الاستعلامات والأمن بشكل وثيق، ويتعلق الأمر بالنقيب بلخير، ومساعده الضابط حسين محيرش، وكلاهما كان يعمل بهذا القطاع العسكري، وقد اشتهر الشخصان بطرق تعذيب وحشية قل نظيرها.

وقد تميزت مصالح الدرك الوطني، التابعة هي الأخرى لوزارة الدفاع، بنشاط حثيث في منطقة جيجل، وكانت يوم ذاك تحت قيادة الجنرال بن عباس غزيل ( 1989- آذار 1995) و إبراهيم فضيل شريف ( آذار 1995- تموز / يوليو 1997)، ثم من قبل اللواء الركن الطيب دراجي (يوليو 1997 وفبراير 2000).

وقد تورطت بعض فرق الدرك الوطني في ولاية جيجل بشكل مباشر وبقوة في ارتكاب تلك الجرائم الجماعية، ويتعلق الأمر في المقام الأول بفرقة العونة (بقيادة النقيب بن عودة) وفرقة شقفة (بقيادة الضابط سعيد)، وفرقة الأمير عبد القادر (بقيادة المساعد الأول سعيد قحام، بمساعدة الرقيب مصطفى بوسعيد) وفرقة بوشرقة- الطاهر، وقاوس، وتكسانة وجيملة وسيدي عبد العزيز (بقيادة ضابط سعيد) وفرقة القنار.

وتجدر الإشارة إلى المشاركة المكثفة لعناصر الوحدة 17 من وحدة التدخل السريع للدرك المتمركزة في قرية بوحمدون-تاسوست- الأمير عبد القادر، التي تجاوزت من حيث جسامة عملها، كل ما قامت به باقي فرق الدرك الوطني الأخرى، في ارتكاب هذه الجرائم، علما أن هذه الوحدة التي كان يرأسها الرائد الوطار، كانت تغطي يوم ذاك كامل إقليم ولاية جيجل.
وأخيرا، فإنه من الضروري أيضا التأكيد على أن مثل هذه العمليات من الخطف والإعدام بدون محاكمة وحالات الاختفاء القسري، ما كان لها أن تبلغ هذا المستوى من حيث انتشار سعة نطاقها وتتم بشكل منهجي، لو لم تحصل على الدعم والمشاركة المباشرة من الميليشيات المسلحة من قبل والي المنطقة، إبراهيم بوبريط، الذي تحول لاحقا إلى تاجر جملة للمعدات الطبية.

وتعود مسؤولية الإشراف على هذه الميليشيات، التي تنشط بكثافة  في المنطقة، والتي أطلق عليها  رسميا اسم "جماعات الدفاع الذاتي" إلى الدرك الوطني، ومن ثم إلى الجيش. ومن بين قادة الميليشيات الذين اكتسبوا شهرة واسعة من خلال مشاركتهم المباشرة في اقتراف الجرائم الجماعية التي ارتكبها الجيش الجزائري، نذكر الأشخاص التالية أسماءهم: فرحات بوشعير؛ وعلي بتاتاش  الملقب علاوة، وكلاهما من وسط مدينة جيجل، وأحمد شرماط من حي بوخرطوم-تاسوست- الأمير عبد القادر، ومبارك بوصبيعة الملقب عمر من حي اولاد عيسى، وعمار جرفي من حي الأمير عبد البقادر، وبرباش من شفقة، ولياوورسي من جيملة، ومحمد بلعياب من تكسانة، ومحيي الدين بودريعة من متلاتين- تكسانة وتيبوك من تاسوست وبلمدرك من الطاهر وغيرهم.

ومن خلال هذا المسعى الجديد المتخذ على مستوى هيئات الأمم المتحدة، تثبت أسر المفقودين بشكل لا لبس فيه أنها ليست على استعداد أبدا لإغلاق ملف قضية الاختفاء القسري على الرغم من القانون المسمى بقانون المصالحة الوطنية المعتمد في عام 2006 الصادر قصد ضمان الإفلات من العقاب لجميع أفراد قوات الأمن، بكافة أجهزتها، كما أن هذه الأسر ترفض جميع التعويضات التي تهدف إلى جعلها تتخلى عن حقها في العدالة والحقيقة، كما لم تعد هذه الأسر تخشى أشكال التخويف الممارسة ضدها، من قبيل سلسة الاستدعاءات إلى مراكز الشرطة أو غيرها من أشكال المضايقة.

وطالما لم يتم الكشف عن الحقيقة حول مصير ذويهم من المختطفين، وتحديد المسؤوليات عن ارتكاب هذه الجرائم، لن يهنأ بال أسر المختفين قسرا، وبناء عليه سوف تواصل هذه الأسر كفاحها المشروع لتقديم الجهات المسؤولة والمنفذة لهذه الجرائم أمام القضاء.